يزعم كثيرون أن الهبوط على القمر كان الحدث المميّز في القرن العشرين. ففي العشرين من تموز / يوليو 1969، كان الرائدان نيل آرمسترونغ
وأدوين (باز) ألدرين يقتربان من سطح القمر بسرعة بمركبتهما. ولأسباب غير
معروفة، كانت المركبة تحيد عن مسارها وتتوجه إلى موقع يبعد عن موقع الهبوط المخطط له بأربعة أميال.
وفي الأمتار الـ 610 الأخيرة من
عملية الهبوط الآلية، ألقى آرمسترونغ نظرة من خلال شباك المركبة ورأى أنها
تتوجه صوب حفرة قمرية كبيرة تحيطها صخور لا يقل حجم الواحدة منها عن حجم السيارة. خلاصة القول إن كارثة كانت ستحصل لو هبطت المركبة في ذلك الموقع.
ولذا،
وعندما هبطت المركبة إلى ارتفاع 152 متراً فقط عن السطح، أمسك آرمسترونغ
بزمام السيطرة عليها وقادها كما تقاد الطائرات المروحية. توجه آرمسترونغ بالمركبة إلى منطقة سهلية مستوية حيث هبط بها بأمان متجاوزا بذلك الحفرة
القمرية وصخورها الكبيرة.
ولكن مما لاشك فيه أن عمليات الهبوط المستقبلية ينبغي أن تكون أكثر دقة وأمانا.
بهذا
الصدد، يقول كين غابرييل، المدير التنفيذي لمختبر دريبر بمدينة بوسطن
بولاية ماساشوسيتس "ستحتاج بلا شك إلى أنظمة هبوط آلية أكثر كفاءة ودقة، أنظمة تمكن المركبات من تتبع التضاريس وتمكن قائدها من مشاهدة ما تقوم به
فوريا من خلال أجهزة تصوير".
لا ينبغي لك أن تعرف مكانك بالضبط فحسب، بل ينبغي أيضا أن تقدّر - بدقة تبلغ أجزاء المتر - المكان الذي تتوجه إليه وكيف يمكنك تجنب
العقبات التي تعترض طريقك. بعبارة أخرى، علينا تمكين نظام السيطرة الآلية
المركّب في مركبة الهبوط من تنفيذ الأعمال التي كان آرمسترونغ يقوم بها
بعينيه وعقله ويديه عندما كان يهبط على سطح القمر.
ستكون
عملية الهبوط عند قطب القمر الجنوبي مثيرة حقا. وعندما يخرج روّاد المركبة
منها، قد يكونون يرتدون بذلات فضاء تشبه نموذج Z-2 التجريبي. هذه البذلة مصممة بحيث تمنح مرتديها قدرا أكبر من الحرية في الحركة من سابقاتها مما يتيح لهم التسلق والنزول والانحناء لجمع الصخور والأحجار.
وقد
تكون عملية الإنطلاق من سطح القمر محفوفة بالمخاطر أيضا. إذ يقول الدكتور
شيموس توهي الذي يعمل في مختبر دريبر "عندما تنطلق من الأرض، فإنك إنما
تنطلق من قاعدة إطلاق ثابتة ومعروفة".
ويمضي للقول إنه "على القمر، يعتمد كل شيء على المكان الذي هبطت فيه والوضع الذي اتخذته المركبة عند هبوطها".
ربما
تلخّص مركبة الهبوط التي ستستخدم في مهمة 2024، والتي لم يكتمل بناؤها بعد، بشكل أفضل من أي عنصر آخر من عناصر الرحلة مدى القلق الذي يساور
العاملين في المشروع إزاء قرار تسريع العمل فيه. إذ لا توجد بعد أي من
المعدات الضرورية، ولم يتضح كيف سيتم اختبارها قبل حلول عام 2024.
ولكن روبرت زوبرين واثق من أن فترة خمس سنوات ونصف السنة تكفي لإنجاز بناء مركبة الهبوط واختبارها.
إلا
أنه يضيف أن "مشروع البوابة القمرية يحرم عملية تطوير مركبة الهبوط من الأموال التي تحتاجها، والمركبة هي العنصر الحاسم إذا أردنا الهبوط على سطح
القمر".
لا ينحصر الأمر بالهبوط على القمر فقط، بل أن بعضهم يستعد من الآن لانطلاق ما يسمى بـ "الاقتصاد القمري".
فشركة
"أستروبوتيك" تقول إنها بصدد تشييد "خط للسكة الحديد" إلى القمر. هذه الشركة واحدة من عدد من الشركات التي تطمح إلى نقل المواد والبضائع إلى
القمر.
تشبيه المشروع "بالسكة الحديد" يبدو مناسبا لشركة مقرها في مدينة بيتسبرغ، المركز السابق لصناعة الحديد والصلب في الولايات المتحدة.
فلقاء
أجر معين، يبدأ من 450 دولاراً لنقل مواد صغيرة الحجم وخفيفة الوزن كالمواد التذكارية، ويرتفع ليبلغ 1,2 مليون دولار للكيلوغرام الواحد للمواد
الأثقل وزنا كالعربات الروبوتية، تعد أستروبوتيك بإيصال الحمولة التي تريد
إلى القمر باستخدام مركبتها الخاصة ذات القوائم الأربع والمسماة "بيريغرين
(أي الشاهين)". وتشمل قائمة المواد والبضائع التي سجّل زبائن أستروبوتيك
رغبتهم في نقلها إلى القمر حاويات ذكريات ومعدات علمية وحجر من جبل أفرست وبطاقة من مدينة ألعاب كينيوود المعروفة في بيتسبرغ بولاية أوهايو
قد تنجح شركات مثل أستروبوتيك في أن تخطو الخطوات الأولى نحو
بناء اقتصاد قمري قابل للديمومة، وذلك عن طريق توفير خدمات نقل للزبائن
الأفراد ولمؤسسات مثل ناسا.
يقول الدكتور فيليب ميتزغر،
عالم الكواكب في جامعة وسط فلوريدا في أورلاندو، "قد تكون لدينا في
المستقبل جهات في الفضاء تنتج وقود الصواريخ وغيره من المواد وتوفر الخدمات. آنئذ لن يكون من الضروري أن تتحمل استثمارات ناسا وغيرها كل نفقات
بناء تلك البنية التحتية الفضائية".
ومن المرجح أن تصبح
السياحة الفضائية قريبا مصدر دخل آخر للاقتصاد القمري. ففي عام 2018، كشفت شركة SpaceX التي يملكها الملياردير إيلون ماسك عن هوية أول راكب ستنقله في
رحلة حول القمر في عام 2023. قد تتأخر الرحلة عن ذلك الموعد، ولكن
المسافر، وهو ملياردير ياباني دفع مبلغا لم يعلن عن حجمه للسفر بواسطة
مركبة ماسك "الصقر الكبير (BFR)".
وإذا نظرنا إلى المستقبل البعيد، قد نرى أنه سيكون بإمكان السائحين الهبوط إلى سطح القمر والإقامة
هناك في مبان تشيّد خصيصا لهذا الغرض. ويقدر بنك UBS بأن قطاع السياحة
الفضائية قد يدر دخلا يبلغ نحو 3 مليارات دولار بحلول عام 2030.
ولكن
أساس الاقتصاد القمري لا بد أن يكون التنقيب عن جليد الماء لاستخدامه في
انتاج وقود الصواريخ. تتركز مخزونات هذا الجليد في قطبي القمر الشمالي
والجنوبي، وهما منطقتان لا تصلهما أشعة الشمس. وقد تبلغ كميات هذه
المخزونات مليارات الأطنان.
قد تؤدي فكرة تزويد المركبات
بالوقود في القمر إلى خفض كلفة السفر في الفضاء، علاوة على خفض الكلفة
الخاصة بفتح قاعدة دائمة على سطح القمر. وجاء في تقرير صدر عام 2018 أنه
يمكن انتاج وقود الصواريخ في القمر بكلفة لا تتجاوز 500 دولار للكيلوغرام - وهو سعر يقل بعشرين ضعفا عن تكاليف نقل الوقود من الأرض إلى مدار حول
القمر والتي تبلغ 10 آلاف دولار للكيلوغرام الواحد
ومن
الممكن في المستقبل استخدام الوقود المنتج في القمر لزيادة ارتفاع الأقمار
الاصطناعية التي تحلق في مدارات أرضية منخفضة إلى مدارات ثابتة أكثر ارتفاعا. فقد يكون من الممكن أن تلتحم مركبة قادمة من القمر وتحمل الوقود
مع قمر اصطناعي يحلق في مدار أرضي منخفض مما سيمكن هذا القمر الاصطناعي من
استخدام الوقود للارتفاع إلى مدار أعلى. وقد توّفر هذه العملية مبلغ 100
مليون دولار كل مرة.
ولكن الدكتور بول بيرن من جامعة نورث
كارولاينا في مدينة رالي يقول إن تطوير اقتصاد قمري حقيقي سيستغرق وقتا
طويلا، ويضيف "نعرف إلى أين نريد أن نتوجه، ولكن قد تمضي عدة عقود قبل أن يصبح ذلك مجديا بالكاد من الناحية التجارية، وحتى ذلك الحين يتوجب على
الحكومات تحمل كل المصاريف".
ولأجل حماية وحدات الإقامة هذه من المخاطر التي تسببها النيازك
الصغيرة والإشعاعات، من الممكن استخدام روبوتات لإنتاج أغلفة صلبة بواسطة الطباعة ثلاثية الأبعاد تغلف بها وحدات الإقامة. وقد يكون من الممكن أيضا
حتى استخدام "التراب" القمري كمادة للبناء. يقول فيليب ميتزغر "إنها طريقة
سهلة للبناء لن تستغرق وقتا طويلا".
أما على المدى الأبعد،
قد يتحول مستوطنو القمر للإقامة في أنفاق طبيعية تقع تحت السطح يقال لها
"أنابيب الحمم". وتوفر هذه حماية طبيعية من مخاطر الإشعاعات.
طوّرت جامعة أريزونا نموذجا أوليا لبيت زجاجي تتم فيه زراعة محاصيل كالخس والطماطم والبطاطا باستخدام صمامات ثنائية باعثة للضوء (LEDs). وتمثل عملية
انتاج المحاصيل في هذه البيوت دائرة مغلقة، حيث تتم فيها مداورة المياه
المستخدمة لسقي المزروعات. وتسهم النباتات في عمل أنظمة إدامة الحياة عن طريق امتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون من الهواء وانتاج غاز الأوكسجين.
كما
صممت ناسا "شاحنة" نموذجية ذات 12 دولابا - ويطلق عليها اسم عربة استكشاف فضائية SEV - ليستخدمها الروّاد في تنقلاتهم واستكشافاتهم على سطح القمر.
ولكن
قبل التمكن من استخراج الماء، ينبغي القيام بالكثير من أعمال التنقيب.
وعندما يتم التعرف على وجود مخزونات واعدة، يمكن استخدام روبوتات لحفرها
واستخراجها.
ويرى فيليب ميتزغر أنه يمكن تسخين الأتربة القمرية لاستخراج الماء منها على شكل بخار يجمع في ما بعد.
وسيشكل موضوع إيصال الطاقة الكهربائية إلى الحفر القمرية دائمة
الظلمة معضلة أخرى. ولكن إحدى الطرق التي يمكن اتباعها لإيصالها إلى هناك
تتلخص في توجيه أشعة الشمس إليها باستخدام مرايا تنصب على حواف هذه الحفر.
يقول جون ثورنتون، المدير التنفيذي لشركة أستروبوتيك، "يمكن إيصال الطاقة الكهربائية إلى العربات بتوجيه هذه المرايا إليها".
يمكن
تحويل الماء المستخرج عن طريق الحفر إلى وقود للصواريخ باستخدام الطاقة
الكهربائية لفلق جزئيات الماء إلى مكونيها، الهيدروجين والأوكسجين.
تستخدم
هانا سارجنت من الجامعة المفتوحة حاليا جهازا يدعى ProSPA يتمكن من
استخراج الماء من الصخور الموجودة على سطح القمر. وسيستخدم هذا الجهاز
عمليا للمرة الأولى في عام 2024 إذ سيركّب في المسبار الروبوتي القمري
الروسي لونا-27. وتعد التجارب التي تجريها سارجنت نموذجا يمهد الطريق لتجارب أخرى تهدف لاستخراج الماء على سطح القمر باستخدام الجهاز المذكور.
Comments
Post a Comment